د/ عـز الـد يـن شـكـري فشــير يكـتب ...الصـــامتــون
الموظفون، كبروا أو صغروا، أنواع. وأكثرهم شيوعا هو النوع الصامت. الصامتون كثيرون، وبينهم
فروق. فهناك الذى يربط الحمار مكان ما يريد صاحبه، دون تعليق ودون مشاكسة. يفهم سريعا ما يريده السياسى ويسير طوعا فى نفس الاتجاه، تماما كما يتبع الحمار صاحبه. إن سألته عما يفعل رد فى صوت خفيض أن هذه هى التوجهات. لا يسأل نفسه ولا أحد عن هذه التوجهات أو حكمتها، ولا يستمع لو حاولت مناقشته فى ذلك. ينتظر صامتا حتى تزول أنت من طريقه ثم يكمل ما بدأ، وإن أطلت فى حديثك استأذن فى أدب وذهب هو، وتحاشاك فى ما بعد.
الصامتون أحيانا يوجهون الانتقاد إلى «التوجهات»، لكنهم يفعلون ذلك فى صمت. يهزون أكتافهم أو يشيرون بأيديهم أن لا حيلة لهم وأن هذه هى التوجهات. وقد يقولونها صراحة، فى ما بينهم، لكنهم حين ينتهون من القول ويبدؤون الفعل، ينفذون «التوجهات» بإخلاص ودون مناكفة.
الصامتون أحيانا ما يوخزهم ضميرهم، مثل كل الناس. عندما لا تعجبهم التوجهات لدرجة تتعارض بشدة مع معتقداتهم. عندئذ يأخذون جانبا للبعد أكبر مسافة ممكنة عما لا يعجبهم. يطلبون النقل إلى إدارة أخرى، أو يبحثون عن موقع لا يتعرضون منه للمسألة التى لا تروق لهم. ويظلون كامنين فيه. يعارضون ما يعارضون ولكن فى صمت، أقصى ما يفعلون أن يأخذوا أنفسهم خارج مجرى الأمور التى يعارضون.
وآخر صنوف الصامتين من يجرؤ على الكلام، لكن لمرة واحدة. يقول رأيه فى التوجهات، عادة بلغة هى للصمت أقرب، لكنه يقولها، ربما ليسجّل موقفه أمام ضميره أو أمام التاريخ لو جاء التاريخ وفتش فى الدفاتر، ويصمت بعدها مرتاحا لأنه أدى واجبه إزاء ضميره وإزاء وظيفته وقال كلمة الحق. ثم يعود لصمت مطبق أصبح مبررا وشرعيا بعد أن قال كلمة الحق مرة.
هؤلاء الصامتون هم عماد كتلة الموظفين وعمودها الفقرى. قد نتندر على سلبيتهم وجبنهم من مواقعنا الآمنة، لكنهم فى حقيقة الأمر أقل إضرارا بالمصلحة العامة من غيرهم. وحين «التوجهات» فإن سلبيتهم هذه لا تقف عقبة فى طريق التغيير، بل تساعد عليه. فهؤلاء الذين كانوا ينفذون السياسة القديمة همُ همُ الذين سينفذون السياسة الجديدة، دون حماس وحتى دون إيمان بجدوى التغيير، ولكنهم سينفذونها، وسيحاولون الالتزام بالتعليمات وتطبيقها بحذافيرها. هذه الكتلة هى التى تستطيع أى إدارة سياسية جديدة الاعتماد عليها فى تنفيذ التغييرات التى تريد إدخالها. قد لا يعجبك سلوك هذا الصنف من الموظفين، وهذا من حقك. قد لا تحب أن تكون واحدا منهم، أو لا تحب لأبنائك أن يكونوا مثلهم. وجِّه أبناءك إلى عمل آخر، لكن هذه الكتلة من الموظفين كانت دائما تشكل أغلبية الموظفين، وستظل دائما تشكل هذه الأغلبية، ووجودها رحمة من الله ونعمة.
فكِّر فى إصلاح وإعادة هيكلة وزارة الداخلية. على من ستعتمد داخل الوزارة إن أردت تنفيذ سياسة أمنية جديدة؟ على هؤلاء الضباط والمديرين الذين لا مشكلة لديهم فى تغيير التوجهات وتغيير السياسة ما دمت أعطيتهم الأمان والأدوات اللازمة للتنفيذ. لن تقود هذه الكتلة عملية التغيير، ولن تأتى برؤية للتغيير، لكنها هى التى ستنفذ الغالبية العظمى من المهام اللازمة لتطبيق التغييرات المطلوبة.
هذه الكتلة من الصامتين فى كل المؤسسات والهيئات والوزارات المصرية يجب حمايتها، وطمأنتها، وعدم المساس بها فى أى تطهير قادم، لأنها كتلة بيروقراطية لا شخصية لها ولا تؤثر توجهاتها الذاتية على عملها كثيرا. لها هموم خاصة تتعلق بظروف عملها والمزايا التى تحصل عليها، لكن غير ذلك لا مصلحة لها سوى تنفيذ التعليمات.
ربما لا تريد دعوة الصامتين للعشاء فى منزلك، لكن من مصلحتك إبقاؤهم فى أماكنهم فى مؤسسات الدولة بعد أن يتغير النظام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق