أحمــد خــيــر يكــتب ..مــقــال قــليــل الأدب
بادرت بعض الصيدليات الخلوقة فى القاهرة إلى التوقف عن بيع العازل الطبى (الواقى الذكرى)
إلى الجمهور، وبعضها يمتنع عن بيعه للشباب، خوفا من أن يشجعهم استخدام العازل على
ارتكاب الموبقات، عرفت بتلك المعلومة من أكثر من مصدر، وإذا كان نشر الأخلاق وظيفة البيت
والمدرسة والمسجد والكنيسة، فإن الصيدلانى عندما يأخذ دور الداعية، فإنه لا ينشر الفضيلة،
بل ينشر الإيدز. وبخلاف أن للعازل الطبى مهاما أخرى كالحالات التى يتعذر فيها استخدام حبوب
منع الحمل، فإن مرض الإيدز المميت ليس مرضا جنسيا على غرار الأمراض البكتيرية (كالزهرى
والسيلان)، بل مرض فيروسى (مثل فيروس سى) ينتشر بعدد من الوسائل من بينها الجنس،
أى أن المريض قد يلتقط المرض عن طريق الجنس ثم ينقله إلى آخرين (أبرياء) بوسائل أخرى
متعددة، وطبعا ينتقل من الزوج إلى الزوجة ومن الأم إلى الجنين، وأحيانا عن طريق نقل الدم..
إلخ، ولكن ما لنا نحن والعلم والطب والبكتيريا والفيروسات والتحاليل ومنع الحمل وكل هذا
الكلام الفارغ، المهم طبعا أن نبدوا كمن «يطبق الشريعة».
أغلب الظن أن ما أثير عن «هيئة الأمر بالمعروف» فى مصر مشكوك فيه وقد تكون لعبة أمنية،
لكن الواقع أن النموذج السياسى الذى يطرحه الإسلاميون لا بد أن يخلق مثل تلك الهيئة عاجلا
أو آجلا، ذلك أن القانون المصرى يطبق بالفعل أكثر من 90 بالمئة من أحكام الشريعة (الرقم
للدكتور عصام العريان بعد زيارة أردوجان لمصر وقد ذكره الدكتور ليوضح أن مصر «متقدمة
إسلاميا» عن تركيا)، يمكنك عزيزى القارئ أن تلمس تلك النسبة بنفسك فى زواجك وطلاقك
ومواريثك، فضلا عن قوانين النظام العام والآداب ومنع الإجهاض والقانون الجنائى والقوانين
التجارية، فجميعها مستمدة من الشريعة، فلا يتبقى إذن مما يسمى «تطبيق الشريعة» سوى
ما هو مختلف عليه كالبنوك والحدود، والنقطتان الأخيرتان لا تختلفان عن هتاف «خيبر خيبر يا
يهود» الذى تحول بعد البرلمان إلى «نحترم المعاهدات الدولية»، ماذا يتبقى إذن من مشروع
التيار الإسلامى؟ لا شىء سوى محاولة فرض الأخلاق على طريقة الفصل بين الرجال
والسيدات فى المواصلات، من هنا يمكنك أن تفهم لماذا يتحدث الإسلاميون كثيرا عن إباحة
الخمر والزنى فى القانون المصرى، أيا كان موضوع الندوة أو المؤتمر أو المناظرة، يتحدث
الإسلاميون عن غضبهم من أن الخمر والزنى مباحان فى مصر. فهل هذا صحيح؟
الشىء المباح هو ذلك الذى تشتريه من أى مكان، تستخدمه فى أى مكان، فى أى وقت، بلا
قيود، كالماء أو العصير أو الملابس، هل ينطبق ذلك على الخمر فى القانون المصرى؟ الإجابة
هى لا كبيرة، القانون المصرى وضعه أناس تعلموا من تجارب غيرهم، وتحديدا من التجربة
الأمريكية الشهيرة التى منعت الخمور بين العامين 1919 و1930، وكانت النتيجة أن السوق
السوداء ازدهرت إلى درجة ظهور مافيا تخصصت فى تهريب الخمور، ومن المعروف أن النقود
التى تذهب إلى السوق السوداء، تصب فى النهاية فى عالم الجريمة المتصلة بالسلاح
والمخدرات، ومن هنا فقد وازن القانون المصرى بين ثقافة المجتمع وتقاليده من ناحية، وبين
منع نشوء سوق سوداء، ومنع ضرب السياحة، ومنع انتشار الخمر المغشوشة بأضرارها البالغة.
فقام المشرع بتقييد تجارة الخمور بمجموعة من القيود، قيد المكان: لا تباع إلا فى أماكن
مرخصة ومعظمها ذات طبيعة سياحية كالفنادق، قيد السن: يمنع بيعها لأقل من 21 عاما، قيد
السعر: فرض أغلى ضرائب وجمارك ممكنة، وأخيرا: قيد الآداب والنظام العام: يعاقب بالحبس كل
من يسكر بالطريق العام. هل ما زلت عند رأيك أنها «مباحة»؟
لا يختلف الأمر كثيرا فى مسألة تجريم الزنى، فلأن شروط تطبيق حد الزنى شبه مستحيلة،
خصوصا فى العصر الحديث، حيث يسكن الناس بيوتا مغلقة بالترابيس لا فى خيام، فقد لجأ
المشرع إلى عقوبة السجن باستخدام وسائل إثبات أخرى، قد يكون منها مجرد العثور على
رسائل عاطفية أو تسجيل صوتى، ويعاقب القانون المصرى على الجنس غير المشروع «الزنى»
فى جميع حالاته، إذا كان أحد الطرفين متزوجا، أو كلاهما كان متزوجا من آخر، أو لم يكونا
متزوجين ولكن دفع أحدهما مالا للآخر، أو لم يكونا متزوجين ولم يدفع أحدهما مالا ولكن الطرف
الأنثوى «مسجل آداب/ متعودة دايما»، أو إذا انتفت كل الشروط السابقة ولكن جرى الفعل فى
طريق عام أو شاطئ أو فى غير مسكن خاص «شقة مفروشة مثلا» إلخ، فضلا عن تجريم كل
ممارسة فيها قدر من الاعتداء أو الانتهاك أو التحرش أو الاغتصاب أو الاستغلال الجنسى.. فمن
ذا الذى يقول إن القانون المصرى «يبيح الزنى»؟ طبعا هناك حالة وحيدة لا يجرمها القانون، أن
يكون الطرفان حرّين غير متزوجين وأن لا تكون دعارة.. إلخ، شرط أن يتم الفعل فى مسكن
أحدهما الخاص.. وسبب عدم تجريم هذه الحالة الوحيدة بسيط جدا، ألا وهو أنها حالة لا يوجد
من يُبلغ عنها، الوسيلة الوحيدة لضبطها أن تضع شخصا أسفل كل بيت وأمام كل باب، أو
باختصار: هيئة النهى عن المنكر.
عندما تنتهى من قراءة هذا المقال يمكن أن تقول: «هذا مقال عن الواقى الذكرى والخمور
والجنس»، ويمكن أيضا أن تقول «هذا مقال عن الصحة والسياحة وحرمة الحياة الخاصة»،
اختيارك يحدد فهمك للفارق بين أحكام الشريعة، ومقاصدها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق