قــطــع طـــريـــق المــواطــن صفـــر
خـــالد كســـاب
مرق المواطن صفر من مدخل محطة رمسيس ذو التصميم الماسونى الجديد منجذبا إلى رائحة
حلة محشى ساخنه تنتظره فى طنطا.. عند شباك التذاكر تثاءبت العامله قبل أن ترد عليه.. «القطر كله مليان.. مافيهوش تذاكر».. إتجه المواطن صفر إلى الرصيف غير مكترث بعدم وجود تذاكر.. فبوفيه القطار ملاذه الأول والأخير دوما.. سواء حاجز أو مش حاجز.. شراء جرائد ثم إشعال سيجاره ثم إنتظار دخول القطار إلى الرصيف.. ثم.. ظهور للقطار آتيا من على البعد..
كان القطار مكتظا بسبب الأجازات.. حارب المواطن صفر من أجل الوصول إلى مكان على بار البوفيه الخشبى.. «شاى لو سمحت».. وبدأ القطار يتحرك.. ومع تتابع العواميد الكهربائيه المميزه على شباك القطار بدأت القاهره تبتعد وحلة المحشى تقترب!
بعد حوالى ربع ساعه توقف القطار فجأه.. من الشباك لا تبدو هناك أى محطه.. من المؤكد أنه توقف إضطرارى بسبب إنتظار عبور قطار آخر أو ما شابه.. إتكأ المواطن صفر على تلك الإحتماليه.. ولكن بعد مرور حوالى نصف الساعه كانت الناس قد بدأت تتململ وتسأل بعضها.. «هو فيه إيه»؟!
بوفيه القطار هو المكان الرسمى للأخبار.. تلك هى قاعدة السكه الحديد الرئيسيه.. لهذا بعد مرور حوالى الساعه إلا الربع بدأت الأنباء تتواتر حول أن الطريق مقطوع والتوقف إجبارى.. بعد كمان ربع ساعه.. أصبحت المعلومه أوضح.. أهالى قرية «سندنهور » بعد قليوب قاموا بقطع السكه الحديد وأشعلوا الإطارات على القضبان مانعين بذلك تقدم ثلاث قطارات ورا بعض.. وقبل أن يسأل سائل.. « ليه «؟!.. فليدعنى أخبره أن هذا قد حدث بعد وفاة أربع مواطنين من القريه فى حادثه على الطريق.. وقبل أن يسأل سائل.. «يعنى كانت حادثة قطر»؟!.. فليدعنى أخبره أنها كانت حادثه على الطريق السريع العادى بعيدا عن السكه الحديد خالص.. وقبل أن يسأل سائل.. «وإيه علاقة حادثه على الطريق بقطع السكه الحديد»؟!.. فليدعنى أخبره أن تلك هى الوسيله التى رأى أهالى القريه أنها الأنسب لإيصال أصواتهم المطالبه بإنشاء كوبرى مشاه لمنع تكرار تلك الحوادث مره أخرى.. وقبل أن يسأل سائل.. «طب والناس المتثبتين فى القطارات التلاته دول ذنبهم إيه»؟!.. فليدعنى أخبره أنى ما اعرفش!
تلك الأنباء التى بدأت تتواتر من هنا وهناك.. إنتقلت إلى الركاب تبعا لسياسة «من بؤ لبؤ».. وليس تبعا لسياسة السماعات الداخليه بداخل العربات والتى يستطيع من خلالها رئيس القطار مخاطبة الركاب فى مثل تلك الحالات.. وهو ما حدا بالمواطن صفر إلى سؤال نفسه بدلا من أن يسأله سائل.. «هو صحيح ليه القطر فى مصر ما فيهوش إذاعه داخليه زى الطياره.. إنها تفصيله طبيعيه ومنطقيه ومهمه وبشلن»؟!.. ولما لم يجبه أحد على السؤال كان المواطن صفر قد اتخذ قراره بعد أن نظر إلى عامل البوفيه وأخبره بحسم.. «نسكافيه لو سمحت»!
أثناء إحتساء النسكافيه كان الواقفون فى البوفيه قد بدأوا فى الإدلاء بدلوهم.. رجل ببدله وكرافته: «أنا لو مكان السواق كنت أدخل فيهم بالقطر.. دى إسمها قلة أدب».. رجل سلفى بذقن ضخمه وشارب منبت: «المفروض يخرجوا العادلى شهرين يظبط البلد.. وبعدين يرجعوه السجن تانى.. دا شعب ما ينفعش معاه غير سياسة الحديد والنار».. شاب متحمس وثورى: «ماهم ليهم مطالب يا جماعه.. عايزين حقهم».. سيده مسنه تعبر من وراءه بحثا عن رئيس القطار ترد عليه أثناء عبورها بغضب: «وانا عندى معاد مع الدكتور فى اسكندريه.. حقى أنا كمان أروح معادى»!
بعد مرور حوالى ثلاث ساعات ونصف.. كان المواطن صفر قد إتخذ قراره.. هبط من القطار.. وعبر الطريق إلى الناحيه الأخرى… بعدها بدقائق كان يجلس فى ميكروباص عائد إلى القاهره مره أخرى.. وكان عبد الباسط حموده يؤكد من خلال الكاسيت أنه.. «أنا مش عارفنى.. أنا تهت منى.. أنا مش أنا».. وكانت الشمس قد بدأت تغيب.. وكانت ألوان السماء قد بدأت تتداخل فى بعضها البعض بشكل لم يعد يمكن معه تمييز لون من آخر !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق