د عــز الــدين شكــري فـاشــير يكتب "بـــابـــا مــــــــات"
«وكما يستهوينى القول إن القوات المسلحة فردت أجنحتها على كل هذه المجموعة،
شبابها وإخوانها.. فأمنتهم… أصبحت ثورة شعبية. فنستطيع القول إن الأخوين -
الشباب وإخوانهم الكبار فى الإخوان المسلمين- وأباهم فى القوات المسلحة، عندما
تكاتف أفراد البيت تغير نظامه وحدث ما حدث». هذا ما قاله الفريق أحمد شفيق
رئيس وزراء مصر الأسبق، فى حوار مع جريدة «الشرق الأوسط» ونشرته أيضا بوابة
«الأهرام». وليس غرضى هنا التعليق على الحديث نفسه وما احتواه، ولا دقة وصفه
لعناصر الثورة ومسارها، وإنما أريد التركيز على فكرة واحدة، وهى فكرة الأب والأبناء.
النظرة إلى السلطة الحاكمة على أنها الأب نظرة قديمة، ويرى الكثيرون أنها مترسخة
فى الثقافة المصرية، منذ الفرعون الإله، وحتى أحاديث آخر رئيسين لمصر، مبارك
والسادات، اللذين حرصا على مخاطبة شعبهما بـ«أبنائى». هذه النظرة ليست اعتباطية،
وإنما تشكل جزءا من رؤية شاملة للفرد ولعلاقته بالدولة. وفقا لهذه الرؤية، يلعب الفرد
أدوارا عديدة، من الطفل الذى يستحق الرعاية ولا رأى له، إلى الابن المراهق الجامح
الذى لا يفهم لا الدنيا ولا تبعة أفعاله ولكنه مسكون بطاقة تدفعه للتمرد -وعلى الدولة
احتواؤه حرصا على مصلحته حتى يكبر ويفهم- إلى الابن العاق -الملقب أيضا بضعيف
الانتماء- الذى تتحمله الدولة فى صبر وكرم عسى أن يستعيد انتماءه ويستقيم
سلوكه، إلى الابن السافل المجرم الذى يستحق العقاب والعزل، بل والتنكيل على
مرأى من بقية إخوته كى يكون عبرة لمن يعتبر، إلى الابن البار الطيب المعطاء
الذى يستحق التكريم. كل الأفراد أبناء هذا الوطن، والوطن هو الدولة، والدولة هى السلطة الحاكمة.
عاشت العائلة المصرية فى هذه الحياة السعيدة حتى يناير 2011، حين قام الأبناء وشتموا الأب
ومسحوا بسلطته أرض ميدان التحرير وميادين الجمهورية كلها، ثم طردوه من البيت وظلوا يلاحقونه
حتى أودعوه القفص.
«كبار العائلة»، أى هؤلاء الذين يرون فى أنفسهم سدنة الأب-الدولة، تدخلوا لإبعاد الرئيس السابق
من المشهد والحفاظ على هيبة مركز الأب نفسه، حتى يتم اختيار أب جديد. الأمر الذى فاتهم،
وما زال يفوتهم كما يتضح من حديث الفريق شفيق، هو أن الأب مات. الذين ثاروا فى يناير الماضى
لم يكونوا يلفظون مبارك كشخص وإنما يلفظون فكرة الأب نفسها. الذى سقط يوم 11 فبراير
ليس مبارك الشخص، بل السلطة الحاكمة باعتبارها أبا للمجتمع.
هذه الثورة ثورة ثقافية بالأساس، وهذا ليس كلاما إنشائيا بل وصف لعملية اجتماعية
جارية لا يغفلها إلا من يغمض عيون عقله. النظرة إلى الدولة باعتبارها أبا يحمى ويعتنى
ويعاقب ماتت، وحلت محلها نظرة إلى الدولة باعتبارها اتحادا بين مواطنين، متساوين
فى الحقوق والواجبات، يعيشون فى إطار سياسى اسمه الدولة، ويحكمها أشخاص
لا فرق بينهم وبين المحكومين، يحكمون نيابة عمن اختاروهم، ويحق لكل فرد مساءلتهم
عما فعلوا وما لم يفعلوا، وطردهم إن فشلوا.
مصر لم تعد عائلة، بل صارت وطنا. لم تعد بيتا بل أصبحت دولة. والأفراد لم يعودوا أبناء للحاكم، بل مواطنين، أبناء فقط لآبائهم الطبيعيين الذين أنجبوهم مع أمهاتهم.
هذه الثورة جارية فى كل المؤسسات: داخل الأحزاب والقوى السياسية المختلفة،
داخل مؤسسات المجتمع الدينية والمدنية، وداخل المؤسسات الحكومية والوزارات. الأب مات،
والأبناء يعيدون صياغة علاقات بعضهم ببعض كأفراد متساوين فى الحقوق والواجبات، وهى
عملية صعبة وستأخذ وقتا، لكن كلما أسرع من يرون فى أنفسهم «كبار العائلة» -أى سدنة
النظام الأبوى القديم، الذين ولدوا فى النصف الأول من القرن الماضى- فى فهم هذا التحول
العميق فى مصر، سهلوا الأمور عليناوعليهم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق